اسماعيل بن محمد القونوي

371

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

عليهما وقرأ ابن كثير أو ليأتينني بنونين الأولى مفتوحة مشددة ) لكن لما اقتضى ذلك أي غيبته بلا إذن وقوع أحد الأمور الثلاثة فيه إشارة إلى وجه العدول عن الظاهر وأن أو للترديد في الثلاثة وقيل إنها في الأولين للتخيير وفي الثالث للترديد بينه وبينهما ولا يظهر وجهه ولا يلائم بيان المص وأما في القول إنها في الأولين للتخيير وفي الثالث بمعنى إلا فضعيف لأن لام القسم يقتضي كونه جوابا للقسم وحمله على الزيادة بعيد . قوله تعالى : [ سورة النمل ( 27 ) : آية 22 ] فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ( 22 ) قوله : ( فمكث غير بعيد زمانا غير مديد يريد به الدلالة على سرعة رجوعه خوفا منه وقرأ عاصم بفتح الكاف ) فمكث غير بعيد الفاء فصيحة أي كان غائبا فمكث أي لبث بعد هذا التهديد زمانا غير مديد عن وقت تفقده حاصله بيان لمقدار ما مضى من غيبته بعد التهديد والحكمة في ذلك البيان التنبيه على سرعة رجوعه خوفا منه إما لغيبته بلا إذن أو لفهمه ما أوعده بطريق من الطرق وفيه إشارة إلى أن امتثال المتبوع لازم حسبما أمكن فإذا غاب بدون إذن ينبغي أن يرجع بسرعة قوله خوفا منه أو لإخبار ما أحاط به خبرا وهذا أقوى في الدلالة على سرعة الرجوع من القول فمكث قريبا ولذا اختير ذلك عليه إذ القرب إضافي يختلف بالإضافة بخلاف غير بعيد قوله بفتح الكاف وهما لغتان فيه بلا فرق وكون الضم دالا على شدة الغيبة على سليمان عليه السّلام ليوافق حركة الكلمة ما أفهمه تركيب الكلام لا يعرف له وجه . قوله : ( يعني حال سبأ وفي مخاطبته إياه بذلك ) والظاهر أنه خلق العقل والنطق في الهدهد ولا يناسب هنا ما سبق ذكره من أن أصوات الحيوانات تابعة للتخيلات ولعل سليمان مهما سمع صوت حيوان علم بقوته القدسية الخ والسوق آب عن حمله على هذا المعنى . قوله : ( تنبيه له على أن في أدنى خلق اللّه تعالى من أحاط علما بما لم يحط به قوله : وقرأ عاصم بفتح الكاف وقرأ الباقون بضمها . قوله : وفي مخاطبته إياه إلى آخره يعني الهم اللّه الهدهد فخاطب سليمان بهذا الكلام مع ما أوتي سليمان من فضل النبوة والحكمة والعلوم الجمة والإحاطة بالمعلومات الكثيرة ابتلاء له وتنبيها على أن في أدنى خلقه واضعفه من أحاط علما بما لم يحط به ليتحاقر إليه نفسه أي ليرى نفسه وتعد عنده شيئا حقيرا وتصاغر علمه لديه أي صار عنده أمرا صغير الشأن ويكون ذلك لطفا له في ترك الإعجاب الذي هو فتنة العلماء والإحاطة بالشيء أن يعلم بجميع جهاته لا يخفى منه معلوم فليست هذه المخاطبة من قبيل رفع الصوت بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله تعالى : لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [ الحجرات : 2 ] حتى يعارض به فيقال كيف يمكن للهدهد المخاطبة والمكافحة بذلك وهو أضعف مخلوق وقد أمر اللّه المؤمنين بخفض الصوت عند نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [ الحجرات : 2 ] لأن هذا تأديب وتهذيب لسليمان عليه السّلام وذلك تعظيم بجلالة حضرة الرسالة ورفع منزلتها ولكل مقام مقال قالوا في الآية دليل على بطلان قول الرافضة إن الإمام لا يخفى عليه شيء ولا يكون في زمانه أعلم منه .